سعيد حوي

3560

الأساس في التفسير

وعند قوله تعالى ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ، لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ، ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ قال صاحب الظلال : ( ويربط بين الهدي الذي ينحره الحاج وتقوى القلوب ، إذ أن التقوى هي الغاية من مناسك الحج وشعائره ، وهذه المناسك والشعائر إن هي إلا رموز تعبيرية عن التوجه إلى رب البيت وطاعته ، وقد تحمل في طياتها ذكريات قديمة من عهد إبراهيم - عليه السلام - وما تلاه . وهي ذكريات الطاعة والإنابة ، والتوجه إلى الله منذ نشأة هذه الأمة المسلمة . فهي والدعاء والصلاة سواء . وهذه الأنعام التي تتخذ هديا ينحر في نهاية أيام الإحرام يجوز لصاحبها الانتفاع بها ، إن كان في حاجة إليها يركبها ، أو في حاجة إلى ألبانها يشربها ، حتى تبلغ محلها - أي مكان حلها - وهو البيت العتيق ، ثم تنحر هناك ليأكل منها ويطعم البائس الفقير . وقد كان المسلمون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يغالون في الهدي ، يختارونه سمينا غالي الثمن ، يعلنون بها عن تعظيمهم لشعائر الله ، مدفوعين بتقوى الله روى عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال : أهدى عمر نجيبا فأعطى بها ثلاثمائة دينار ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أهديت نجيبا ، فأعطيت بها ثلاثمائة دينار أفبيعها وأشتري بثمنها بدنا ؟ قال : « لا . انحرها إياها » . والناقة النجيب التي جاءت هدية لعمر - رضي الله عنه - وقومت بثلاثمائة دينار لم يكن عمر - رضي الله عنه - يريد أن يضن بقيمتها ، بل كان يريد أن يبيعها فيشتري بها نوقا أو بقرا للذبح ، فشاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضحي بالنجيب ذاتها لنفاستها ، وعظم قيمتها ، ولا يستبدل بها نوقا كثيرة ، قد تعطي لحما أكثر ، ولكنها من ناحية القيمة الشعورية أقل ، والقيمة الشعورية مقصودة فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ وهذا هو المعنى الذي لحظه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول لعمر - رضي الله عنه - « انحرها إياها » هي بذاتها لا سواها ! ) . 16 - وفي قوله تعالى لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ اتجاهان : الاتجاه الأول أن المنفعة فيها قبل أن تعين للإهداء ، فإذا تعينت لم يبق لصاحبها حق الانتفاع . والاتجاه الثاني : أن لصاحبها أن ينتفع بها وإن كانت هديا إذا احتاج إلى ذلك ، وقد رجحنا هذا القول في التفسير ، وفي ذلك قال ابن كثير : ( كما ثبت في الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة قال « اركبها » قال : إنها بدنة ، قال : « اركبها ويحك » في الثانية أو الثالثة ، وفي رواية عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال « اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها » وروى شعبة عن علي أنه رأى رجلا يسوق بدنة ومعها ولدها فقال : لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها ،